محمد بن جرير الطبري

165

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ يقول : فلما غاب ، قالَ إبراهيم : لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي ويوفقني لإصابة الحق في توحيده لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ أي من القوم الذين أخطئوا الحق في ذلك ، فلم يصيبوا الهدى ، وعبدوا غير الله . وقد بينا معنى الضلال في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ يعني تعالى ذكره : فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً فلما رأى إبراهيم الشمس طالعة ، قالَ هذا الطالع رَبِّي هذا أَكْبَرُ يعني : هذا أكبر من الكوكب والقمر ، فحذف " ذلك " لدلالة الكلام عليه . فَلَمَّا أَفَلَتْ يقول : فلما غابت ، قالَ إبراهيم لقومه : يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ أي من عبادة الآلهة والأصنام ودعائه إلها مع الله تعالى . القول في تأويل قوله تعالى : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن خليله إبراهيم عليه السلام ، أنه لما تبين له الحق وعرفه ، شهد شهادة الحق ، وأظهر خلاف قومه أهل الباطل وأهل الشرك بالله ، ولم يأخذه في الله لومة لائم ، ولم يستوحش من قيل الحق والثبات عليه ، مع خلاف جميع قومه لقوله وإنكارهم إياه عليه ، وقال لهم : يا قوم إني بريء مما تشركون مع الله الذي خلقني وخلقكم في عبادته من آلهتكم وأصنامكم ، إني وجهت وجهي في عبادتي إلى الذي خلق السماوات والأرض ، الدائم الذي يبقى ولا يفنى ويحيي ويميت ، لا إلى الذي يفنى ولا يبقى ويزول ولا يدوم ولا يضر ولا ينفع . ثم أخبرهم تعالى ذكره أن توجيهه وجهه لعبادته بإخلاص العبادة له والاستقامة في ذلك لربه على ما يجب من التوحيد ، لا على الوجه الذي يوجه له وجهه من ليس بحنيف ، ولكنه به مشرك ، إذ كان توجيه الوجه لا على التحنيف غير نافع موجهه بل ضاره ومهلكه . وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ يقول : ولست منكم ؛ أي لست ممن يدين دينكم ويتبع ملتكم أيها المشركون . وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن زيد يقول . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قول قوم إبراهيم لإبراهيم : تركت عبادة هذه ؟ فقال : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فقالوا : ما جئت بشيء ونحن نعبده ونتوجهه ، فقال : لا حَنِيفاً قال : مخلصا ، لا أشركه كما تشركون . القول في تأويل قوله تعالى : وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ يقول تعالى ذكره : وجادل إبراهيم قومه في توحيد الله وبراءته من الأصنام ؛ وكان جدالهم إياه قولهم : إن آلهتهم التي يعبدونها خير من إلهه . قالَ إبراهيم : أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ يقول : أتجادلونني في توحيدي الله وإخلاصي العمل له دون ما سواه من آلهة ، وَقَدْ هَدانِ يقول : وقد وفقني ربي لمعرفة وحدانيته ، وبصرني طريق الحق حتى ألفت أن لا شيء يستحق أن يعبد سواه . وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ يقول : ولا أرهب من آلهتكم التي تدعونها من دونه شيئا ينالني في نفسي من سوء ومكروه وذلك أنهم قالوا له : إنا نخاف أن تمسك آلهتنا بسوء من برص أو خبل ، لذكرك إياها بسوء فقال لهم إبراهيم : لا أخاف ما تشركون بالله من هذه الآلهة أن تنالني